في ليلة شتوية بملعب الأمير هذلول بن عبدالعزيز، لم تكن مجرد مباراة عادية في الجولة السابعة عشرة من الدوري، بل كانت فصلاً من الدراما الكروية التي تحبس الأنفاس. انقلبت فيها النتيجة رأساً على عقب أكثر من مرة، وشهدت الدقائق الأخيرة نقطة تحول كبرى غيرت وجه المباراة، وحولت الانتصار المحقق إلى تعادل بطعم الهزيمة للأخدود، وتعادل بطعم الفوز للرياض.
بدأ الرياض المواجهة بنوايا هجومية واضحة، متجهاً نحو مرمى الأخدود بتسع عشرة تسديدة طوال اللقاء، خمس منها على المرمى مباشرة. كان هذا الإصرار الهجومي كافياً لكسر الجمود مبكراً، حين سجل توزي هدف التقدم للرياض في الدقيقة 26 بعد تمريرة حاسمة من إسماعيلا سورو، مؤكداً أفضلية الرياض في فرض إيقاعه الهجومي في الشوط الأول.
لكن كرة القدم لا تعترف بالمنطق دائماً، فمع بداية الشوط الثاني، شهدت المباراة تحولاً تدريجياً. بدأ الأخدود في العودة، وفي الدقيقة 62، جاءت نقطة التحول الأولى الحقيقية حين أدرك المدافع سعيد الربيعي التعادل من صناعة صالح العباس، معيداً الأمل لجماهير الأخدود في ملعبهم. هذه اللحظة لم تكن مجرد هدف، بل كانت إعلاناً عن مباراة جديدة.
ورغم النقص العددي الذي عانى منه الأخدود بطرد أحد لاعبيه، استمر الفريق في إظهار الروح القتالية. الأرقام تتحدث عن نفسها: الأخدود، رغم استحواذه على الكرة بنسبة 52%، اكتفى بتسع تسديدات فقط، ثلاث منها على المرمى. ومع ذلك، تمكن من تحويل اثنتين منها إلى أهداف، في دلالة على الفعالية العالية في إنهاء الهجمات في لحظات الضغط.
وفي الدقيقة 86، ارتفعت دقات القلوب مجدداً. المدافع سعيد الربيعي، نجم المباراة بلا منازع، عاد ليوقع على هدفه الثاني من صناعة خوان بيدروزا، مقدماً ما بدا وكأنه هدف الفوز القاتل. كان المشهد احتفالاً صاخباً، اعتقد الجميع معه أن النقاط الثلاث باتت في جيب الأخدود، وأن هذا الهدف هو نقطة التحول الأخيرة التي حسمت اللقاء.
لكن القدر كان يحمل مفاجأة أخرى، وأكثر دراماتيكية. بينما كانت صافرة النهاية تلوح في الأفق، وبعد أقل من 4 دقائق، جاءت نقطة التحول الفاصلة التي ستبقى محفورة في ذاكرة الفريقين. البديل سلطان هارون، الذي لم يشارك سوى لمدة 11 دقيقة، خطف هدف التعادل للرياض في الدقيقة 90 بعد تمريرة حاسمة من مامادو سيلا. كان هدفاً لا يصدق، أعاد الرياض من حافة الخسارة، وحول الفرحة العارمة في مدرجات الأخدود إلى صمت مطبق.
يغادر الفريقان أرض الملعب بنقطة واحدة لكل منهما في منتصف الموسم تماماً. الأخدود خسر انتصاراً ثميناً كان سيمنحه دفعة معنوية كبيرة، بينما انتزع الرياض نقطة أثبتت بها شخصيته وقدرته على العودة حتى الرمق الأخير، رغم التفوق البدني للرياض في الالتحامات (59% من الثنائيات الفائزة مقارنة بـ 41% للأخدود). هذه المباراة لم تكن مجرد تعادل، بل كانت درساً في أن الروح القتالية لا تعرف النقص العددي أو ضيق الوقت، وأن كرة القدم يمكن أن تتغير تماماً في بضع ثوانٍ معدودة.