في ليلةٍ باردة على عشب ملعب مدينة المجمعة الرياضية، حيث تلاقت طموحات الأهلي بالصعود وعناد الفيحاء بالبقاء، انتهت المواجهة بتعادلٍ لا يرضي أحداً (1-1). لم تكن مجرد مباراة أخرى في الجولة التاسعة والعشرين؛ بل كانت تشريحاً دقيقاً لأوجه الاختلاف بين فريقٍ يملك أدوات السيطرة لكنه يفتقر للمشرط الحاسم، وآخر يعرف كيف يبني الجدران ويقتنص الفرص القليلة بأظافره.
سيطرة باهتة أم دفاع محكم؟
من النظرة الأولى، تروي الأرقام قصة سيطرة أهلاوية مطلقة. استحوذ الأهلي على الكرة بنسبة 56%، ومرر 436 كرة ناجحة مقابل 265 للفيحاء. هذه أرقام فريقٍ يسعى لفرض أسلوبه، لفك شفرات خصمه، لكن ماذا كانت الحصيلة؟ 11 تسديدة منهم 4 فقط على المرمى، ترجمت لهدف وحيد حمل توقيع إيفان توني في الدقيقة 36. لم يكن الهجوم الأهلاوي يفتقر للكمية، بل للجودة والفعالية في الثلث الأخير، كأنهم يحاولون الرسم بفرشاة كبيرة على لوحة صغيرة.
على الجانب الآخر، لم يكن الفيحاء يمانع التنازل عن الاستحواذ. بل جعله جزءاً من استراتيجيته. كان الفريق البرتقالي كالصخرة التي تتكسر عليها أمواج الهجوم الأهلاوي. سجل لاعبوه 17 تدخلًا ناجحًا واستخلصوا الكرة 29 مرة، وهي أرقام تفوق الأهلي بكثير في المعارك الدفاعية. كانت نسبة الفوز بالالتحامات الأرضية (63%) تشير إلى قوة الفيحاء البدنية والعزيمة التي أظهرها لاعبوه في كل مواجهة فردية، خصوصًا من قبل لاعبين كريس سمولينغ ومحمد البقاوي.
لحظات حاسمة: من التوهج الأهلاوي إلى عودة الفيحاء
جاء هدف إيفان توني للأهلي في الدقيقة 36 بعد تمريرة حاسمة من إنزو ميلوت، ليضع الأهلي في المقدمة ويعزز إحساسهم بالسيطرة. بدا أن المباراة تتجه نحو نتيجة مريحة للفريق الزائر، الذي كان يأمل في خطف النقاط الثلاث لتعزيز موقعه في المنافسة على المراكز المتقدمة. لكن هذه المقدمة لم تكن إلا بداية الفصل الأول من قصة الصمود الفيجاوي.
الفيحاء لم يستسلم، وبدأ الشوط الثاني بعزيمة مختلفة. في الدقيقة 53، جاء الرد سريعاً وقاسياً. جيسون، المهاجم الذي خاض 8 التحامات وفاز بـ 6 منها، تمكن من تسجيل هدف التعادل، مؤكداً على قدرة الفيحاء على استغلال أنصاف الفرص. كان تمريرته الحاسمة من المدافع كريس سمولينغ، الذي كان نجم المباراة بتقييم 7.9، ليثبت أن الأداء الدفاعي القوي يمكن أن يولد فرصًا هجومية مؤثرة. هذه الأهداف لم تكن مجرد أرقام، بل كانت نبض المباراة التي تغير مجراها في كل مرة.
ما لا تقوله الأرقام وحدها
على الرغم من أن الأهلي أطلق 6 تسديدات من داخل منطقة الجزاء مقابل 4 للفيحاء، إلا أن فعالية الأخير كانت أعلى بكثير. الفيحاء، بسبع تسديدات إجمالية، سجل هدفاً واحداً، بينما احتاج الأهلي لأربع تسديدات على المرمى لتحقيق الهدف نفسه. هذه الإحصائية تكشف عن مشكلة أكبر للأهلي في ترجمة الفرص، مقابل براعة الفيحاء في القنص وتركيزه على إنهاء الهجمات.
في النهاية، خرج الفيحاء بنقطة ثمينة من أرضه، نقطة تعزز موقفه في جدول الترتيب وتبقيه بعيداً عن صراعات القاع المعتادة في الجولات الخمس المتبقية. أما الأهلي، فبالرغم من جهوده الكبيرة في بناء اللعب والسيطرة على الكرة، إلا أن النقطة الواحدة قد تكون مكلفة في سباق المحافظة على طموحاته العليا. هل كان هذا التعادل مجرد كبوة عابرة للأهلي أم أنه كشف عن عيوب عميقة في فعاليته الهجومية تحتاج إلى معالجة فورية قبل فوات الأوان؟