في ليلةٍ كرويةٍ على أرض ملعب "الأول بارك"، لا يمكن لمراقب أن يخرج بنتيجةٍ غير حاسمة: الرياض أهدر فرصةً ذهبيةً لتأمين ثلاث نقاط كانت في متناوله، بينما قدّم الفيحاء درساً في الصمود والبراغماتية، ليخطف تعادلاً بطعم الفوز. هذه ليست مجرد قراءة في الأرقام، بل هي حكمٌ على مباراةٍ كان فيها الإهدار هو البطل، والتفاصيل الصغيرة هي الجلّاد.
هجوم بلا أنياب وعارضة ترفض الحسم
من يرى أرقام الرياض الهجومية، لا بد أن يتساءل كيف لم يحقق الفوز؟ الفريق أمسك بزمام المبادرة معظم أوقات المباراة، مستحوذاً على الكرة بنسبة 59%، وهي نسبةٌ لا تشي بفريقٍ يتعادل في أرضه. لم يتوقف الأمر عند الاستحواذ، فقد بلغ عدد تسديدات الرياض 17 تسديدةً، مقابل 8 فقط للفيحاء. هذا الفارق الهائل في عدد المحاولات كان يجب أن يترجم إلى فارقٍ أكبر على لوحة النتائج.
الضغط المتواصل من الرياض تمثل في الحصول على 13 ركلة ركنية، في مقابل 3 فقط للفيحاء، ومحاولات عرضية بلغت 50 كرة، لم تنجح منها سوى 11 في الوصول لهدفها. هذه الكثافة الهجومية كانت لتكفي لحسم المباراة لو كانت الدقة حاضرةً. ولعل ما يزيد من مرارة النتيجة للاعبي الرياض وجماهيرهم، هو أن الكرة اصطدمت بالعارضة والقائم مرتين، في تأكيدٍ أن الحظ لم يكن حليفهم في هذه الأمسية.
الفيحاء: جدار منيع وتكتيك ناجح
على الجانب الآخر، لم يكن الفيحاء مجرد متفرجٍ في هذه الرواية. الفريق جاء بوضوح ليعتمد على التكتل الدفاعي والضغط على حامل الكرة، وهو ما كشفته أرقامهم. بـ47 إبعاداً للكرة، و20 تدخلاً ناجحاً، أظهر الفيحاء صلابةً دفاعيةً لافتة. فاز الفريق أيضاً بنسبة 60% من الالتحامات الثنائية، مما يدل على قوته في استعادة الكرة وإحباط محاولات الرياض المتكررة.
حتى حين وجد الرياض المساحات، كان الفيحاء يقف له بالمرصاد. حارسه لم يختبر كثيراً بشكل مباشر، لكن الدفاع كان سداً منيعاً. أجاد فريق المدرب بيدرو إيمانويل في تحويل المباراة إلى صراعٍ على كل كرة، وهو ما نجح فيه إلى حدٍ كبيرٍ.
لحظات حاسمة: هدف عكسي وإنقاذ في اللحظات الأخيرة
تجلت دراما اللقاء في الأهداف. في الدقيقة 26، ومن هجمةٍ لم تكن الأخطـر، اهتزت شباك الرياض بهدفٍ عكسي أحرزه المدافع ميكيل فيلانويفا بالخطأ في مرمى فريقه، مانحاً الفيحاء تقدماً غير متوقع. هذا الهدف المبكر غيّر من موازين المباراة وألقى بظلاله على مجرياتها، مانحاً الفيحاء الثقة لمواصلة نهجه الدفاعي.
وبينما كانت عقارب الساعة تشير إلى الدقيقة الأخيرة من الوقت الأصلي، والرياض يقترب من هزيمةٍ مؤلمةٍ، كان للمدافع الفرنسي يوان باربيت كلمة أخرى. بثقته المعتادة وروح القائد، أدرك باربيت التعادل لفريقه في الدقيقة 90، ليخطف نقطةً على الأقل من بين أنياب الهزيمة. الأداء الاستثنائي لباربيت، الذي تُوج بهدفٍ في اللحظات الأخيرة وتصنيف 9.9 كأفضل لاعب في المباراة، كان بصيص الأمل الوحيد في ليلةٍ خيّمت عليها الحسرة على الفرص الضائعة.
ما بعد الجولة 14: سؤال الكفاءة
هذه النقطة، في الجولة الرابعة عشرة من أصل 34 جولة في الموسم، قد تبدو قليلةً بالنظر إلى ما قُدّم على أرض الملعب من الرياض. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة بعد هذه المباراة هو: هل يملك الرياض الكفاءة اللازمة لتحويل سيطرته العددية إلى انتصارات حقيقية؟ أم أن الفريق سيبقى حبيس الأرقام المبهرة دون القدرة على حسم مصيره؟ الفيحاء أثبت أن الصبر والدفاع المنظم يمكن أن يفسد أعظم الخطط الهجومية، وعلى الرياض أن يجد حلولاً سريعة لهذه المعضلة قبل فوات الأوان.