في عالم كرة القدم، الأرقام لا تكذب أحياناً، ولكنها قد تخفي حقيقة أعمق. ففي مواجهة الجولة السادسة عشرة التي احتضنها ملعب الأمير تركي بن عبد العزيز، قدم الرياض عرضاً يوحي بالسيطرة المطلقة، استحوذ على الكرة لـ60% من زمن المباراة، وسدد 22 كرة نحو المرمى، لكن النتيجة النهائية 1-3 للتعاون كانت بمثابة صدمة قاسية تؤكد أمراً واحداً: الرياض لا يعاني مشكلة في الوصول إلى مرمى الخصم، بل في هز الشباك.
السيطرة الوهمية: أرقام بلا أنياب
كانت مباراة الذهاب بين الرياض والتعاون بمثابة تجسيد حي لمقولة "الكرة لا تعرف إلا الأهداف". ففريق المدرب دانييل كارينيو استحوذ على الكرة، مررها 467 مرة مقارنة بـ344 للتعاون، وشن 22 هجمة على المرمى. ومع ذلك، لم ينجح في ترجمة هذا الكم الهائل من الجهد إلى أكثر من هدف وحيد سجله توزيه، في حين خرجت 13 تسديدة أخرى بعيداً عن إطار المرمى، وهو رقم يحمل في طياته مرارة كبيرة للجماهير الرياضية.
فعالية التعاون: درس في الحسم
على النقيض تماماً، أتى التعاون إلى الرياض بخطة واضحة، نفذها بحرفية أذهلت الجميع. لم يكترث فريق بيريكليس شاموسكا لنسبة الاستحواذ الضئيلة التي بلغت 40%، بل ركز على الفعالية واللعب المباشر. روجر مارتينيز كان بطل الرواية المطلق، حيث سجل ثلاثية متكاملة من أصل 9 تسديدات فقط على المرمى لفريقه بأكمله. كانت تسديداته الثلاثة التي استقرت في الشباك، إحداها من ركلة جزاء، إعلاناً صريحاً عن الفارق الجوهري بين فريق يسعى وفريق يحسم. الأهداف جاءت بتوقيع مارتينيز في الدقائق 10، 45، و66، ليضرب في كل مرة أمال الرياض في العودة.
جدار أصفر يمتص الضغط
لم يكن تفوق التعاون هجومياً محضاً؛ بل امتد ليشمل صلابة دفاعية تستحق التوقف عندها. فقد قام لاعبوه بـ50 إبعاداً للكرة و14 تدخلاً ناجحًا، وفازوا بـ60% من الالتحامات. هذه الأرقام تكشف عن جدار بشري أقيم أمام مرمى التعاون، جدار أحبط محاولات الرياض المتكررة التي بدت وكأنها تصطدم بهواء كثيف. حتى مع خروج أحد لاعبي التعاون ببطاقة حمراء، لم يتأثر تماسك الفريق، مما يؤكد الانضباط التكتيكي العالي الذي يتمتع به.
أين ذهبت فرص الرياض؟
على الرغم من العدد الهائل للتسديدات، إلا أن الرياض عجز عن تحويل هذه الفرص إلى أهداف. أربع تسديدات فقط على المرمى من أصل 22 محاولة رقم يُجبر على التساؤل عن دقة الإنهاء. بل إن 13 تسديدة خرجت خارج الخشبات الثلاث، وهو مؤشر على التسرع والافتقار إلى التركيز. محاولات الفريق الهجومية شملت أيضاً 55 كرة عرضية، لم ينجح منها سوى 16 بفاعلية، ما يشير إلى أسلوب قد يكون سهل القراءة للدفاعات المنظمة. الهدف الوحيد الذي سجله توزيه، والذي أتى بجهد فردي وبمساعدة يوهان باربيت، لم يكن كافياً لإيقاف المد التعاوني الذي كان يعتمد على روجر مارتينيز وفعالية أنجيلو فولجيني ومحمد الكويكبي في بناء الهجمات المرتدة.
في النهاية، هزيمة الرياض في هذه الجولة ليست مجرد ثلاث نقاط ضائعة، بل هي درس قاسٍ حول جوهر كرة القدم. فالسيطرة على الكرة وخلق الفرص لا يضمنان الفوز، إن لم يقترنا بفاعلية حاسمة أمام المرمى. يبقى السؤال معلقاً فوق ملعب الأمير تركي: هل يجد الرياض الجواب لـ"كيف نهز الشباك" قبل فوات الأوان، أم ستبقى أرقام الاستحواذ والفرص مجرد إحصائيات بلا قيمة؟