ماذا يحدث عندما يسيطر فريق على الكرة، ويرسل العرضيات، ويسدد في كل اتجاه، ومع ذلك يغادر الملعب بخسارة نظيفة؟ هذا هو اللغز المحيّر الذي قدمه التعاون أمام الاتحاد في الجولة الثلاثين من دوري روشن، وهي مواجهة انتهت لصالح الضيوف بهدفين دون رد في سيناريو أقرب إلى الدراما التكتيكية.
في ليلة "الإنماء"، كان التعاون يرقص على أنغام الأرقام، ممسكًا بزمام 59% من الاستحواذ، ومطلقًا 19 تسديدة نحو مرمى الاتحاد مقابل 3 فقط للخصم. تسعة ركنيات أرسلها أصحاب الأرض، فيما لم يحصل الاتحاد سوى على ركنية واحدة. هذه الأرقام، في أي سياق طبيعي، تصرخ بانتصار مدوٍ، لكنها هنا كانت مجرد أرقام صماء، دليل على مأزق تكتيكي عميق.
حين يتحول الاستحواذ إلى وهم
لقد حاول التعاون جاهداً فرض إيقاعه، تبادل لاعبوه الكرة بدقة بلغت 469 تمريرة ناجحة، محاولين فك شفرة دفاع الاتحاد المتماسك. كان أنجيلو فولجيني، بتقييمه البالغ 9.1، محركاً لا يكل، صنع 5 فرص سانحة لزملائه، وفاز بـ11 التحاماً فردياً من أصل 14. حتى أشرف المهديوي، كانت دقة تمريراته تلامس 91%، محاولاً بناء الهجمات من العمق.
لكن المشكلة لم تكن في قلة المحاولات، بل في غياب الفعالية. من بين 19 تسديدة للتعاون، أربع فقط استهدفت المرمى، فيما ذهبت ثماني تسديدات بعيداً عن الخشبات الثلاث، وسبع أخرى اصطدمت بالجدار الدفاعي للاتحاد. حتى حين ابتسم الحظ لهم بكرة ارتطمت بالخشبات، كان ذلك بمثابة تنهيدة يائسة أخرى في ليلة أبت أن تكون لهم.
صلابة الاتحاد... مفتاح اللغز
على الجانب الآخر، لم يكن الاتحاد بحاجة لرقص الباليه الكروي ليحقق مراده. بقيادة مدربه سيرجيو كونسيساو، قدم الضيوف درساً في الواقعية الكروية. لقد استقبلوا اللعب بذكاء، تركوا التعاون يستحوذ على الكرة في مناطق غير خطرة، ثم انقضوا على الفرص المتاحة بكل برودة أعصاب.
الصلابة الدفاعية كانت العنوان الأبرز. قام لاعبو الاتحاد بـ41 إبعاداً للكرة، و18 تدخلاً ناجحاً بنسبة 78%، وثماني اعتراضات حاسمة، وهو ما يشير إلى يقظة تكتيكية عالية. حارس المرمى تصدى لـ4 كرات خطرة، مؤكداً أن الخط الخلفي كان بمثابة سد منيع، حتى لو تطلب الأمر ارتكاب 16 خطأ تكتيكياً لإجهاض هجمات الخصم.
اللمسات القاتلة: عوار والنصيري يحسمان الأمر
بشراسة الكبار، استغل الاتحاد اللحظات الحاسمة. في الدقيقة 19، كان يوسف النصيري يحول تمريرة ماريو ميتاي الحاسمة إلى هدف أول أشعل مدرجات الاتحاد. ثم في الدقيقة 52، عاد النجم الجزائري هاوسم عوار ليؤكد سيطرة فريقه، محرزاً الهدف الثاني بعد عمل فردي رائع. عوار، الذي حصل على لقب أفضل لاعب في المباراة بتقييم 9.2، لم يكتفِ بهدفه بل صنع لزميله النصيري هدفاً أيضاً، ليجسد معنى الكفاءة الهجومية بأبهى صورها: لمستين فقط على المرمى، وكلتاهما تحولت إلى أهداف.
هذه المباراة كانت لوحة تكتيكية معقدة: فريق يملك الأدوات الفنية لكنه يعجز عن إنهاء الهجمات، وفريق يملك الأدوات الذهنية لفرض إيقاعه الخاص خارج الكرة. الاتحاد لم يأتِ ليتفوق في الإحصائيات، بل جاء ليفوز. هذا الدرس، مع تبقي 4 جولات فقط على نهاية الموسم، قد يكون قاسياً للتعاون، لكنه ذهب مباشرة إلى خزائن نقاط الاتحاد.