في ليلةٍ صاخبة على أرضية ملعب مدينة الملك خالد الرياضية، لم يكتفِ الأهلي بحصد ثلاث نقاط ثمينة من نيوم، بل ألقى درساً قاسياً ومحكماً في فن الفتك بالفرص، مؤكداً أن الاستحواذ على الكرة وحده لا يضمن الانتصار في معترك كرة القدم الحديثة. النتيجة النهائية 3-0 لصالح الأهلي لم تكن مجرد أرقام تُسجل، بل كانت إعلاناً صارخاً بأن الجودة الفردية والفعالية الهجومية هما الفيصل الحقيقي بين الفرق.
حين تصمت الأرقام وتتحدث الأهداف
قد تنخدع العين للوهلة الأولى حين ترى أن نيوم كان يسيطر على الكرة بنسبة 52%، متفوقاً بذلك على الأهلي الذي اكتفى بنسبة 48%. أرقام التمريرات كانت لصالحه أيضاً، حيث أكمل 275 تمريرة صحيحة مقابل 231 للأهلي. لكن هذه الأرقام، على أهميتها، بدت وكأنها مجرد ضجيج في وجه الحقيقة الساطعة التي كشفتها الشباك. فكلا الفريقين تبادلا 10 تسديدات على المرمى، لكن الفرق الشاسع ظهر في الجودة المطلقة: 5 تسديدات للأهلي كانت على المرمى، بينما لم يهدد نيوم مرمى ضيفه إلا بتسديدتين فقط.
هنا تتجلى الحقيقة المحكمة: الأهلي لم يهدِر فرصه. كل فرصة على المرمى كانت تقترب من التحول إلى هدف، وهو ما حدث بالفعل. إيفان توني، الذي قدم مباراة استثنائية بتقييم 8.6، افتتح التسجيل من ركلة جزاء في الدقيقة 55. هذا الهدف لم يكن مجرد فتح للعداد، بل كان مفتاحاً لفتح صنبور الأهداف في غضون دقائق معدودة.
عشر دقائق حاسمة: الأهلي ينهي الجدل
بعد هدف توني، انهار دفاع نيوم معنوياً وتكتيكياً. لم يمر وقت طويل حتى ضاعف رياض محرز النتيجة في الدقيقة 64، مستفيداً من تمريرة حاسمة من المتوهج إيفان توني. لم يكتفِ الأهلي بذلك، فبعد ثلاث دقائق فقط، وتحديداً في الدقيقة 67، جاء الدور على إنزو ميلو ليضع بصمته بهدف ثالث قاتل، صانعاً إياه فرانك كيسييه. ثلاثة أهداف في غضون 12 دقيقة، حسمت مصير المباراة تماماً، وأكدت بما لا يدع مجالاً للشك أن الأهلي يمتلك قدرة على العقاب لا ترحم.
لم تكن الأمور لتزداد سوءاً لنيوم بعد تلقيه البطاقة الحمراء. هذه اللحظة، وإن لم تُحدد في أي دقيقة بالضبط، إلا أنها بالتأكيد أثرت على تماسك الفريق ومنحت الأهلي تفوقاً عددياً مريحاً ليُكمل مهمته. فالفريق الذي حاول المراوغة 21 مرة ونجح في 10 منها، لم يتمكن من ترجمة هذه المجهودات الفردية إلى فعالية جماعية أمام المرمى. في المقابل، اكتفى الأهلي بـ 9 محاولات للمراوغة، نجح منها 6، كانت أكثر تركيزاً وهدفاً.
رسالة الأهلي الواضحة وصراع القمة
بهذا الفوز الكبير، أرسل الأهلي رسالة واضحة لكل منافسيه في الدوري، خاصة وأننا نصل الآن إلى الجولة الثامنة عشرة، أي ما يقارب منتصف الموسم. ففي الوقت الذي يتصدر فيه الهلال السباق بـ 46 نقطة، يحتاج الأهلي إلى كل نقطة ليظل في دائرة المنافسة، وليؤكد حضوره كقوة لا يستهان بها. الأرقام لا تكذب: الأهلي لم يكن الأفضل في الاستحواذ أو عدد التمريرات، لكنه كان الأكثر فتكاً والأكثر إيماناً بقدرته على تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف.
نيوم، من جانبه، يجب أن يعيد تقييم فلسفته. فامتلاك الكرة والسيطرة على وسط الملعب بلا جدوى هجومية، لا يصنع الفارق. الفريق قام بـ 23 عملية إبعاد للكرة، مقابل 18 للأهلي، ما يشير إلى ضغط مستمر عليه رغم استحواذه. في المقابل، نفذ الأهلي 20 تدخلاً ناجحاً مقابل 9 فقط لنيوم، مما يدل على شراسة أكبر في استعادة الكرة وقطع هجمات الخصم قبل أن تشكل خطراً حقيقياً. السؤال الذي يطرح نفسه بقوة الآن هو: هل يتعلم نيوم من هذا الدرس القاسي، أم سيكتفي بمجرد إحصائيات لا تُترجم إلى انتصارات؟