في ليلةٍ كان فيها الهواء محملاً بترقب جماهير الرياض، سقط الفريق برباعية قاسية أمام الفيحاء، على الرغم من سيطرته شبه المطلقة على مجريات اللعب. السؤال الذي يتردد صداه الآن في الأروقة، ويُثقل كاهل كل محب لهذا الكيان: كيف يمكن لفريق أن يملك الكرة أغلب الوقت، يطلق وابلًا من التسديدات، ثم يخرج مهزوماً بهذا الشكل، خاصة وهو يصارع للنجاة من الهبوط؟
تُظهر الأرقام صورة لا يصدقها المنطق الكروي السطحي. فقد استحوذ الرياض على الكرة بنسبة 56%، وأكمل 395 تمريرة مقارنة بـ 302 للفيحاء. بل ووصل عدد تسديداته إلى 25 تسديدة مقابل 13 فقط لمضيفه. هذه ليست أرقام فريق مهزوم، بل أرقام فريقٍ فرض إيقاعه، تحكم في وسط الميدان، ووصل إلى مناطق الخصم مراراً وتكراراً. ولكن هل كان هذا التحكم حقيقياً أم مجرد وهم؟
حين تصبح السيطرة عبئاً
لم يكن الفيحاء مهتماً بالاستحواذ أو عدد التمريرات. كانت فلسفته واضحة: الفعالية القاتلة. من أصل 13 تسديدة، سدد الفيحاء 8 كرات على المرمى، محولاً 4 منها إلى أهداف. في المقابل، ومن أصل 25 تسديدة للرياض، لم تصل للمرمى سوى 7 تسديدات، سجل منها هدفين فقط. الفارق هنا ليس في الرغبة، بل في الحسم أمام المرمى، وهو الدرس القاسي الذي تلقاه الرياض في أمسية المجمعة الرياضية.
ظهرت الفعالية البرتقالية مبكراً، ففي ظرف دقيقتين فقط، ضرب الفيحاء شباك الرياض بهدفين متتاليين. افتتح مخيزر الرشيدي التسجيل في الدقيقة 21، مستفيداً من تمريرة ذكية من ياسين بنزيا. ولم يكد الرياض يستفيق من الصدمة حتى أضاف فاشون ساكالا الهدف الثاني في الدقيقة 23 بعد تمريرة حاسمة من عبدالله رديف. هذا الافتقار للتركيز الدفاعي والتمركز السليم كلف الرياض غالياً، وزعزع ثقة اللاعبين مبكراً.
تألق بنزيا وتأثير البدلاء
كان الجزائري ياسين بنزيا هو المحرك الرئيسي لآلة الفيحاء الهجومية. بتقييم 10.0 كأفضل لاعب في المباراة، لم يكتفِ بنزيا بتسجيل هدف وصناعة آخر، بل كان مصدر تهديد دائم بثلاث تمريرات مفتاحية ودقة تمرير بلغت 93%. لكن اللحظة التي حسمت المباراة بشكل لا رجعة فيه كانت بتدخل المدرب بيدرو إيمانويل.
في الدقيقة 62، وبعد أن قلص الرياض الفارق عبر يوان باربيت في الدقيقة 66، أدخل إيمانويل صبري عبده دحل. لم يحتج دحل سوى 28 دقيقة ليصنع هدفين، الأول لبنزيا في الدقيقة 69، والثاني لسيلفيري جانفولا في الدقيقة 90. دخول لاعب صنع هدفين في أقل من نصف ساعة يؤكد جودة البدلاء وذكاء القراءة الفنية للمباراة. هذا التأثير السريع من مقاعد البدلاء هو ما يفرق بين فريق يعرف كيف يستغل اللحظات، وآخر يكتفي بالسيطرة العقيمة.
حافة الهاوية: هل يملك الرياض وقتاً للإجابة؟
الرياض، الذي يحتل المركز السادس عشر في الترتيب برصيد 23 نقطة، يجد نفسه الآن على حافة الهبوط بشكل متزايد. هذه الهزيمة، التي جاءت بعد سيطرة إحصائية لم تُترجم إلى نتيجة، تثير تساؤلات جدية حول القدرة على تحويل الأداء إلى نقاط. هل هي مشكلة في الفعالية الهجومية؟ أم ضعف في التركيز الدفاعي؟ أم افتقار إلى الشراسة الذهنية التي يتطلبها صراع البقاء؟
مع تبقي ثلاث جولات فقط على نهاية الموسم، لم يعد هناك متسع للتكهنات أو إلقاء اللوم. يحتاج الرياض إلى إجابات سريعة وفعالة لهذه الأسئلة المحورية. فهل يستطيع الفريق أن يجد الوصفة السحرية لترجمة أفضليته العددية إلى انتصارات حقيقية قبل فوات الأوان، أم أن هذه الليلة كانت مجرد تأكيد على أن الأرقام وحدها لا تكفي لصناعة الفوز؟