في أمسية حارقة على أرضية ملعب الأمير سلطان بن عبد العزيز، لم تكن مواجهة ضمك والفيحاء مجرد ثلاث نقاط تُضاف للرصيد، بل كانت رسالة قوية ومفاجئة يبعثها فريقٌ يصارع للبقاء في دوري المحترفين. وبينما تركزت الأنظار على الأهداف الثلاثة التي هزت شباك الفيحاء، كان هناك بطلٌ غير متوقع ينسج خيوط قصة هذا الفوز الساحق، مخفياً وراء تألقه قصةً أعمق عن الإصرار والفعالية في أحلك الظروف.
رسالة بقاء من قلب الدفاع
في قلب الدفاع، حيث تُخاض المعارك التكتيكية عادةً وتُؤمن الخطوط الخلفية، كتب عبد القادر بدران اسمه بأحرف من ذهب. المدافع الجزائري، الذي لم يكتفِ بتأمين دفاع ضمك، تقدم ليقود الهجوم ويحرز هدفين حاسمين، محولاً نفسه إلى القوة الضاربة التي لم يتوقعها أحد. هدفاه، اللذان جاءا في الدقيقتين 53 و 77، لم يحسما اللقاء بثلاثية نظيفة فحسب، بل جسّدا روحاً قتالية نادرة، وهي قصة قلما تُروى حين يتعلق الأمر بالمدافعين. لقد أظهر بدران قدرته على قراءة اللعب في الثلث الأخير، ليُسجل ثنائية لم تكن متوقعة من لاعب بمركزه.
لكن تألق بدران لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة عمل جماعي وتمريرات ذهبية من عقول مبدعة في الوسط والدفاع. فالنتين فادا، بصناعته لهدفين حاسمين، كان المهندس الخفي وراء الهجمات التي اخترقت دفاعات الفيحاء، بينما أسهم عبد الرحمن العبيد بتمريرة حاسمة أخرى لهدف بدران الثاني، ليؤكدا أن مفتاح فك شفرات الخصم جاء من لمسات فنية دقيقة تجاوزت أروقة الهجوم المعتادة. كما افتتح مورلاي سيلا التسجيل في الدقيقة 16 بهدفٍ أشعل فتيل المواجهة، لكن الأضواء كلها سرعان ما اتجهت نحو مدافع الفريق.
الاستحواذ الكاذب والفعالية القاتلة
الغريب في الأمر أن الفيحاء، بتمريراته الـ386 واستحواذه على الكرة بنسبة 55%، بدا وكأنه يسيطر على مجريات اللعب طوال التسعين دقيقة، لكن هذه السيطرة لم تُترجم إلى خطورة حقيقية. في المقابل، اكتفى ضمك بـ45% من الاستحواذ، وهو رقم يشي بفريق يعتمد على رد الفعل، لكنه أطلق 14 تسديدة نحو المرمى، منها 5 بين الخشبات الثلاث، لتتحول كل فرصة إلى تهديد حقيقي ومباشر. هذا التباين يعكس فرقاً شاسعاً في الفعالية، فقد عرف ضمك كيف يضرب في اللحظات الحاسمة مستغلاً كل ذرة من فرص هجماته القليلة، وهو فن لا يتقنه إلا من يقاتل من أجل البقاء.
الصلابة التي لا تُرى
إن الفوز بثلاثية نظيفة لا يكتمل دون ذكر الصلابة الدفاعية التي أظهرها ضمك. ففي مباراة شهدت 7 تسديدات من الفيحاء، لم يتمكن حارس ضمك، كيفين، من التصدي سوى لتسديدة واحدة فقط، ما يشير إلى أن أغلب محاولات الضيوف لم تكن خطيرة بفضل التنظيم الدفاعي المميز. 9 اعتراضات للكرات ونجاح في 70% من التدخلات الدفاعية، هي أرقام تؤكد أن الفوز لم يكن مجرد وميض هجومي، بل كان منظومة متكاملة عملت على إغلاق المساحات وخنق محاولات الفيحاء الهجومية، ليُحافظ الفريق على نظافة شباكه في هذا النزال المصيري.
هذا الفوز، الذي رفع رصيد ضمك إلى 26 نقطة، يبقيه في المركز الخامس عشر في جدول الترتيب، لكنه يضخ دماءً جديدة في عروق لاعبيه، ويعطيهم دفعة معنوية هائلة في الجولة الأخيرة المتبقية من الموسم. ففي خضم صراع البقاء المحتدم، يرسل ضمك رسالة واضحة: البقاء ليس مستحيلاً. فهل تكون هذه الثلاثية، التي قادها بطلٌ من قلب الدفاع، هي نقطة التحول التي يبني عليها فريق فابيو كاريلي انطلاقته الأخيرة لإنقاذ الموسم، أم أنها مجرد وميض لن يغير من قدر الفريق؟ الإجابة ستأتي مع صافرة نهاية الجولة الأخيرة، ولكن ما حدث اليوم في ملعب الأمير سلطان بن عبد العزيز يهمس بقصة أخرى، قصة الإيمان بالقدرة على العودة، حتى بأكثر الطرق غير المتوقعة.